القاضي عبد الجبار الهمذاني

مقدمة 38

متشابه القرآن

ولهذا قام بتأويل الآيات التي تخالف بظاهرها أدلة التوحيد والعدل ، فأولها على أصول العربية بما يطابق هذه الأدلة ، أو - بعبارة أخرى - بما يطابق شواهد العقل . وقد بنى القاضي عمله هذا على أصل مهم قدم القول فيه في مستهل كتابه ، ودافع عنه وأقام الدليل عليه . ونحن نوجز القول في بيان هذا الأصل ، كما أوضحه القاضي هنا وفي سائر كتبه ، إيضاحا لمنهجه في هذا الكتاب . 1 - دليل العقل : يتلخص هذا الأصل في وجوب معرفة اللّه تعالى بدليل العقل - أولا - وأنه تعالى حكيم لا يختار فعل القبيح ، لأن هذه المعرفة يمكن معها القول إنه تعالى صادق في إخباره وكلامه ، وأنه لا يجرى المعجز على الكذابين . . . الخ وبالتالي يمكن الاستدلال بالقرآن على ما يدل عليه . ولذلك لا يمكن الاستدلال بالقرآن على إثباته تعالى وإثبات حكمته ؛ لأن ذلك موقوف على العلم بصحته ، وصحته لا تعلم إلا بعد العلم بحال فاعله ، فيؤدى ذلك إلى أن القرآن لا يدل عليه تعالى إلا بعد المعرفة به ، ومتى عرف استغنى عن الدلالة عليه « 1 » . ويمضى القاضي في بيان هذا الأصل وشرحه ، ودفع الاعتراضات عنه بما يغنى عن إعادته . وقد قدمه على جميع المسائل التي أوردها في مقدمة كتابه ، حتى إذا شرع في المسألة الثانية المتصلة بمزية المحكم على المتشابه جعلهما بمنزلة واحدة من حيث إن الاستدلال بهما أجمع لا يمكن إلا بعد معرفة حكمة الفاعل ،

--> ( 1 ) انظر الفقرة الأولى من كتاب القاضي .